ابن كثير

563

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فاستتبعه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليقضيه ثمن فرسه ، فأسرع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأبطأ الأعرابي ، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ، ولا يشعرون أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنادى الأعرابي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين سمع نداء الأعرابي ، قال : أوليس قد ابتعته منك ؟ قال الأعرابي : لا واللّه ما بعتك ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « بل قد ابتعته منك » فطفق الناس يلوذون بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والأعرابي ، وهما يتراجعان فطفق الأعرابي يقول : هلم شهيدا يشهد أني بايعتك ، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي : ويلك إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن يقول إلا حقا حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومراجعة الأعرابي يقول : هلم شهيدا يشهد أني بايعتك ، قال خزيمة : أنا أشهد أنك قد بايعته ، فأقبل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على خزيمة فقال « بم تشهد » ؟ فقال : بتصديقك يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شهادة خزيمة بشهادة رجلين ، وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي ، وكلاهما عن الزهري به نحوه ، ولكن الاحتياط هو الإرشاد لما رواه الإمامان الحافظ أبو بكر بن مردويه ، والحاكم في مستدركه من رواية معاذ بن معاذ العنبري ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « ثلاثة يدعون اللّه فلا يستجاب لهم : رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ ، ورجل أقرض رجلا مالا فلم يشهد » ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط الشيخين ، قال : ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى ، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد « ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين » . وقوله تعالى : وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ قيل : معناه لا يضارّ الكاتب ولا الشاهد ، فيكتب هذا خلاف ما يملي ، ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو يكتمها بالكلية ، وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما . وقيل : معناه لا يضربهما ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا أسيد بن عاصم ، حدثنا الحسين يعني ابن حفص ، حدثنا سفيان عن يزيد بن أبي زيادة ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، في هذه الآية وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ قال : يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة ، فيقولان : إنا على حاجة ، فيقول إنكما قد أمرتما أن تجيبا ، فليس له أن يضارهما ، قال : وروي عن عكرمة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير والضحاك وعطية ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك ، وقوله : وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أي إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه ، فإنه فسق كائن بكم ، أي لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه ، وقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ أي خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ كقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وكقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وقوله : وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها فلا يخفى عليه شيء من الأشياء بل علمه محيط بجميع